الأحد، 3 أغسطس 2014

'تراب أحمر' الرواية بأسلوب القصة القصيرة

'تراب أحمر' الرواية بأسلوب القصة القصيرة

اغسطس 2014
3
"تراب أحمر" الرواية بأسلوب القصة القصيرة

المصدر: الأهرام المسائى


 

الأعوام تمر سريعا، يزبل ورق الأشجار ثم يطيح من علياء الشوامخ فإذا هو في الارض بعد ان كان في القمة يحجب ضوء الشمس ويصيغ السمع لحفيف الريح ودقات الندا والمطرا الي اين تقودنا الحياة وقد صار العمر خريفا وشب البياض في المفارق وعلي اطراف الخصلات المهدلة لكن التقدم في العمر ليس علي كل الاحوال سيئا خاصة ان فعلت في حياتك شيئا يستحق الذكر والفخر والابتسام، ورواية تراب احمر للكاتبة نفيسة عبدالفتاح من ذلك النوع حيث يتخلف الغبار عن ايقونة او كنز مغامرة في بواكير حياتها حيث قدر لها فيما بعد ان تعيش لتروي وتذكر في صفحات مغامرتها الاولي في الحياة والغربة والخطر والموت والظلم، نعم هي سيرة ذاتية بذات الألوان للتراب الذي خلقنا منه جميعا فإذا منا الابيض والاحمر والاصفر والاسود، واذا منا من في غلاء الذهب او رخص الرمال السافه البيضاء، ومن في صلابة الألماس أو ليونة الصلصال وغفوته. عفوا فقد قرأتها من ذاك المنطق، حيث تتجاوز الرواية في اسلوبها المجهل للشخصيات كل مايمكن ان يخطر علي بال ناقد او قارئ في الشكل الفني للعمل الروائي، لكنها تقيم في النهاية العالم المتكامل للقصة الروائية باسلوب فريد ومخفز للخيال، فنحن ازاء سبعة عشر عنوانا بداية بـ(براءة طفل) وانتهاء بـ(افراح مؤجلة) ونفيسة عبدالفتاح هنا لم تقل انها فصول للرواية لكنها عمليا جمعت كل قصة من اجزاء روايتها تحت عنوان فنسجت منها في وقت واحد القصة الوحدة التي تشكل مع باقي الوحدات تفاصيل الرواية ولدينا اكثر من دليل علي ذلك، الاول ان حجم الرواية لايتجاوز (511) صفحة وهذا يعني ان الكاتبة تخلت عن اطالة السرد والوصف الحي المباشر للمشاهدات بل حتي ايجاد عالم نفسي متكامل في خلفية العمل ولصالح روايتها المكتوبة بأسلوب الجمل القصيرة، والايقاع السريع الذي لايبطئ واسلوب الازاحة للكلمات التي لاتشكل ضرورة يفهم منها اي شيء زائد وهو اجمالا شكل من اشكال الاختصار والمباشرة الدرامية للحدث الرئيسي والذي لايهم الكاتبة ان تخلقالي جواره حبكات ثانوية يكون غرضها التزين وهو الاسلوب الاكثر انتشارا في كتابة القصة القصيرة، حيث لكل كلمة مدلول واتاح لها ذلك الاسلوب القصصي عدم شغل تفكير القاريء عن الخط الرئيسي للرواية، هل قصدت نفيسة عبدالفتاح رواية قصة ادم وحواء في جنتهما والمؤامرات من حولهما لاخراجهما من تلك الجنة فاستعاضت بالجنة ارض افريقيا الاستوائية بغاباتها وحشراتها وترابها الاحمر وفاكهتها، هل كان المدير الطاغية واعمال السحر الذي تعرض لها البطلان (الزوج والزوجة) ترديد وتجسيد لقصة الشر والشيطان وخادمة الافعي، ربما فالغالب لدي انها قصة لسيرة ذاتية للكاتبة في بواكير حياتها، لكنها تري نفسها حواء الانسانة والام الطيبة التي تتعرض لظلم لاتدري من اين اتاها ولم مورس ضدها. ولان براءتها واضحة للعيان فلم يتخل عنها زوجها ولا اعتبرها مسئولة عن العسف والخسف الذي يتعرض له من مديره (الشيطان) في عمله والذي يفعله ضده لتطويعه وكذلك فعل أدم مع حواء تقبل التحدي وامتثل للقدر وواجه الشر وانتصر، ولذلك تأتي عبارة (كلب حراسة مجاني، ويفهم. ما رأيك فيرد الزوج: ربما اراد الله ان يظهر لنا أي لتتأكد من أننا لسنا بمفردنا). هذا الحوار البسيط يأتي في تضاعيف الجزء المسمي (علي كل لون يا ابتسام)، ثم تندهش لسردها شكل واحجام الخضراوات المعروفة لدينا، حتي فطر عيش الغراب الذي بحجم عملاق، هل هذه هي زامبيا في السبعينيات من القرن الماضي ام هي تتمه لخيال الكاتبة التي تصنع معك بواقعية ذلك العالم الاسطوري والنفسي لبدء وجود الانسان علي الارض، الامر هنا يتجاوز عتبات الحي والمكان الي الوصول بحكمة الي الاخطاء، فتطالعك ص72 عبارات وتفسيرات عفوية (ان القابل بالعيش وسط فقر وجهل وامراض بلد كهذا. من المؤكد انه انسان غير سوي طردته مصر قبل ان يهجرها.؟) ثم يأتي صوت السائق في الفقرة التالية ليؤكد ان شعب زامبيا ازاح ديكتاتور حكمهم عشرين عاما واتي في انتخابات حره بـ(فريدريك شيلوبا) ثم يضيف عبارة لها مدلول هام (صدقني يمكننا دائما ان نغير مالا يعجبنا) هذا الاصرار والثقة هو ماندعوه كرامة شعب حتي وهو فقير ومريض لكن حر وآبي، وهو يصنع للرواية بعدها السياسي بعد نجاح الكاتبة في تغليف نص مثولوجي قديم بروح عصرية براقة تمعن في السخرية بقتامة الوضع الراهن، مع ربط ذلك بروح الايمان التي في المصري بالله ثم وطنه ونفسه، سنلاحظ هنا انحرافها بالكلام عن وجهته نحو انعطافه ذهنية وثقافية مختلفة ومخالفة للمتن الاصلي للنص الروائي الذي يتميز بالجمع بين الجمل القصيرة والقصد المباشر في الظاهر، كما يفعل الصحفي في كتابة مقال. لكنها تقيم رغم ذلك مع مزيد من التمعن في كلامها خطاب اخر حقيقي يقيم امام ذهنك قيم ثقافية بديلة وبالقطع منافسة في تشويقها، وهنا سنلاحظ بجلاء ان الكاتبة نفيسة عبدالفتاح تقصد المتن الاصلي بقدر ماتقصد الاستطراد المصاحب وتهدف اليه مع انها اختطف منذ البداية حبكة القصة القصيرة وصنعت منها في استطراد مستمر وبناء فني درامي متواصل روايتها القصيرة بلا زيادات قد تعاب عليها او ملل من القاريء قد يثنيه عن اتمامها، وهذا لعمري مخترع ثقافي ابداعي يشابه قول امريء القيس (مكر مر مقبل مدبر معا). في ختام تجوالي في رواية تراب احمر استعيد عنوانين لهما دلالات القص لدي الكاتبة (علي غير ما يبدو ثم بعض خيطو الضوء) والواقع ان تداخل الاجناس الأدبية المتشابهة قد يشكل خلطا لدي القاريء الا اذا كان الكاتب يعي انه يقدم عمله في اطار محدد بالسيرة الذاتية حيث حيث تتقابل الانا صاحبة السرد مع ذات الكاتب وتستعيد جزء او كل التجربة تعيد صياغتها فنيا علي اساس الدراما والفكر والادب وعنصر التخيل الذي يؤطر نفسه في استعادة لحظة الزمن الماضية والعنوانين السابقين هما ابلغ دليل علي مدي نجاح او بعض نجاح الكاتبة في ذلك الاتجاه من حيث انه اوضح دوافعها لرواية جزء من سيرتها الذاتية التي تماست مع سيره حياة امرأة اخري تمثل النساء ككل بغير ان تكون مقيدة بعقد تلك المقارنة او الإفصاح عنها (فانتفت واختارت) ووضعت ضوابط وقرائن وانهت الرواية بأن الشر لازال في الافق.
باحث وروائي - عضو نادي القصة المصري
 

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

وزير يحرج حكومته
جابر عصفور يمجد 6 إبريل ويهدم دور الأزهر ويفتح الباب للمتطرفين
كتبت – نفيسة عبد الفتاح
أزمة جديدة لا يخلقها فقط أن يكون الدكتور جابر عصفور هو وزير ثقافة مصر الجديد، بكل ماعليه من ملاحظات وبتاريخه الحافل مع نظام مبارك المحتشد بغضب عدد لا بأس به من المثقفين  الذين استعصوا على التدجين أو هؤلاء المستبعدين من فيض النعم التى كان يهندس لمنحها بوصفه ثانى أكبر رأس فى وزارة الثقافة المصرية بعد وزيرها آنذاك، فاروق حسنى، وذلك بالطبع من خلال موقعه  المقرب من سوزان مبارك وموقعه فى المجلس الأعلى للثقافة ثم موقعه فى المركز القومى للترجمة، وربما لا يدرك الدكتور جابر عصفور أن ذكاء المرء محسوب عليه وأن حواره التليفزيونى مع الكاتب الصحفى حمدى رزق ربما يفتح  عليه أبواب جهنم  بدلا من إبراء ساحته  وتلميعه، بعد أن استقبل المثقفون خبر اختياره بشىء من الصدمة فبدى مشهد  المثقفين "وكأن على رؤوسهم الطير" خاصة وأنه آخر وزير ثقافة فى عصر مبارك وأنه استقال بعد عشرة أيام من توليه الوزارة للهجوم الشرس الذى تعرض له من المثقفين وماقيل عن إهانة أنس الفقى له فى مجلس الوزراء وهو الأمر الذى  قال عصفور مايخالفه فى لقائه التليفزيونى مؤكدا أنه تم خداعه وظنها وزارة ائتلاف وطنى لإنقاذ مصر إلا أنه فوجىء أثناء حلف بأنها وزارة للنظام القديم  والحزب الوطنى، وهو الأمر الذى يدحضه تماما أن أسماء الوزراء تعلن فى الصحف وفى كل وسائل الإعلام قبل حلف اليمين بينما هو وإن كان قد ظل بلا كارنيه  انتساب للحزب الوطنى لكنه كان جملة وتفصيلا أحد رموز النظام الذى صنع الحزب الوطنى.
لقد تناول الحوار التليفزيونى عددا من النقاط لإتاحة الفرصة للوزير الجديد، القديم، للرد على الاتهامات الموجهة له ومن بينها  حصوله على جائزة القذافى واتهامه بتدجين المثقفين ورأيه فى منع فيلمى نوح، وحلاوة روح، ورأيه فى ثورة يناير وحركة 6 أبريل إلى غير ذلك من الأسئلة، والحقيقة أن مشاهدتنا للحلقة جعلتنا نصر على فتح الباب على مصراعيه لإعادة قراءة تاريخ الرجل وماطرحه من آراء تتسق تماما مع مواقفه السابقة.
لقد فاجأنا الدكتور جابر  عصفور برأيه فى جماعة 6 أبريل، فماذا قال وزير الثقافة فى حكومة مابعد 30 يونيو التى صححت مسار ثورة  25 يناير عن 6حركة  أبريل؟ لقد اعتبرعصفور  6 أبريل من مفجرى الثورة، وأكد انه لا يستطيع أن يخوين مواطن مصرى صغيرا كان أو كبيرا وأنه لا يعرف أن كانت 6 ابريل صناعة امريكية أم لا وأن الأمر متروك للقضاء، وأنه لا يعترف بالتسريبات ولا يعترف إلا بالدليل المقدم للقضاء، مؤكدا أنه ليس عنده واضحا إلا الأفكار الثورية ل 6 ابريل وان كانت تلك الافكار وراءها شىء آخر فليقله القضاء، والحقيقة ان هذا الكلام يبدو جميلا  ويبدو متسقا مع عقلية المثقف المستنير، لكن الصواب قد جانبه كثيرا لأنه تجاهل بالفعل حكما قضائيا صدر فى ابريل الماضى  من محكمة الأمور المستعجلة بحظر  حركة 6 ابريل، وأن ما جاء فى حيثيات الحكم أن أعضاء حركة 6 أبريل يحصلون على الأموال من دون ولاء لوطن ولا إحساس بذنب تجاه ما يحدث من آثار ما يقومون به من إراقة دماء والتعدى على جهات أمنية "اقتحام أمن الدولة" بواسطة أحد أعضاء الحركة "محمد عادل" واستخدام المعلومات في أغراض شخصية تحقق أهدافهم، لقد تحدث الوزير وكأنه لم يعرف أن المحكمة لم تحكم إلا بناء على مستندات فعلية قدمت لها،وهو مادفع الحركة إلى إعلان فورى يثمن تصريحات وزير الثقافة  لصالحها ويرفض حظر المحكمة، ونحن هنا لا نناقش الحكم القضائى على الإطلاق الذى اعتمد ضمن ما اعتمد على التسريبات الصوتية كمستندات فى القضية، بل نناقش  تصريحات وزير  فى الحكومة ظل يؤكد على اهمية ان يحكم القضاء وأنه لا يعترف إلا بالمستندات المقدمة للقضاء وكأنه لا يعرف شيئا عما حدث أو يحدث!.
ومع يقيننا التام بأن من قام بثورة 25 يناير هم شباب طاهر دفع الروح ثمنا لمطالبته بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية حيث لا مجال للمزايدة على النقاء الثورى لهؤلاء وأن بعضهم كان ضمن تلك الحركة دون أن يعرف مايدبر بليل من بعض قياداتها، إلا أن من تربحوا من الثورة أو تم تمويلهم لتحقيق أهداف غربية  أو  التحقوا بها تحقيقا لأهداف أخرى لا يمكن اعتبارهم إلا سبة فى جبين الشرفاء، لن نتحدث عن التسريبات الصوتية أو المستندات ومنها الصورة المنشورة على صدر صفحة  "فريدوم هاوس" الذى تلقى فيه بعض اعضاء الحركة تدريباتهم  أو ذلك الخبر المنشور على صدر صحيفة النيويورك تايمز باعتراف باسم فتحى بتلقى التدريبات التى ساعدت اثناء الثورة، إلى غير ذلك مما نشر وينشر كل يوم، لكننا سنتحدث عن حوار  فى مرحلة مبكرة من مسار الثورة  لطارق الخولى أحد اعضاء الحركة ل "صباح الخير" فى 20 سبتمبر 2011 تحت عنوان " 6 ابريل يتبادلون الاتهامات: بعض الأعضاء حصلوا على تمويل خارجي والفلوس دخلت «جيوبهم»، ويالا هول ماقال عن السفريات الغامضة لأحمد عادل إلى قطر وأمريكا إلى غير ذلك من الأسرار التى كشفت الوجه الآخر لمؤسسى تلك الحركة ،وينبغى أن نكرر أن شبابا طاهرا انضم خلف هؤلاء دون إدراك لحقيقتهم وبعضهم انفصل عنهم بمجرد أن علم مايخفون.
أما بالنسبة لجدلية العلاقة بين الأزهر والثقافة،فلا أحد ينكر حقيقة الصراع الدائم الدائر بين المثقف بشكل عام وكل اشكال السلطة وخاصة هيمنة السلطة الدينية لكننا فى النهاية ننتمى لدولة تتسم بتدين مسلميها ومسيحيها ولا تقبل بما يسىء للأديان ولا تقبل فى الوقت ذاته بمخالفة المواثيق الدولية فيما يخص حقوق الطفل وغيرها من الحقوق، وإذا كان الدكتور جابر عصفور قد أكد فى حواره التليفزيونى أنه لا يفهم لا كوزير ولا كمثقف إصرار مشايخ الأزهر على عدم عرض فيلم نوح، وأن الأعمال ذات الطابع الدينى لا يجب أن تذهب للأزهر لأنها أعمال فنية، مؤكدا أنه "حتى لو موجود فى النص عرضها على الأزهر نغير النص"، وأنه لو كان مكان وزير الثقافة لما منع فيلم "نوح" لأننا لسنا فى دولة دينية وأن الذى يحكمنا ليس الأزهر وإنما الدستور "رفض الأزهر الفيلم لرفضه تجسيد الأنبياء والرسل والصحابة لتنافى ذلك مع مقاماتهم ومساسه بالعقيدة واستفزازه لمشاعر المؤمنين" وهو موقف ثابت للأزهر لم يتغير أبدا، وعندما يقول عصفور ذلك فإنه "كعادته"يضرب  دور الأزهر بمعوله الهدام الذى يمثل نوعا من الفاشية أيضا، ولم يتورع الدكتور جابر عن التاكيد على أن منع فيلم حلاوة روح أدى إلى زيادة نسبة مشاهديه وأنه كان سيرفع من السينمات لعدم تحقيقه الإيرادات المطلوبة لاستمراره لولا قرار المنع، وهى حقيقة بكل أسف، لكن السؤال الذى كان يجب أن يجيب عليه عصفور،هل كنت ستمنعه من الأصل  يادكتور لما انطوى عليه من إساءة للطفولة؟ ولن نتحدث عن المشاهد الجنسية لأننا لم نشاهد الفيلم لكننا نتحدث بناء على تقارير مراكز حقوقية معنية بالطفولة، لنفاجأ بتصريح الوزير عن رأيه فى مواجهة ثقافة السبكية"السبكى منتج فيلم حلاوة روح" حيث أكد عصفور أن المواجهة ستكون بالمثقفين مؤكدا أنه لن يمنع  ولكن سيترك الذوق العام ليحكم!.
ويبدو أن الدكتور جابر عصفور لم يقرأ  قانون الرقابة على  المصنفات الفنية الذى لا يجيز الترخيص بأي مصنف إذا تضمن  الدعوات الإلحادية والتعريض بالأديان السماوية، كما لايجيز تصوير أو عرض أعمال الرذيلة أو تعاطي المخدرات على نحو يشجع على محاكاة فاعليها، وأيضا، المشاهد الجنسية المثيرة وما يخدش الحياء والعبارات والإشارات البذيئة.
كما يبدو أنه لم يقرأ الدستور جيدا، فالدستور، الذى  جعل  فى المادة 67"حرية الإبداع الأدبى والفنى مكفولة"، هو نفسه الذى جعل من الأزهر فى المادة السابعة" المرجع الأساسى فى العلوم الإسلامية والشؤون الإسلامية" وكل مايمس العقيدة الإسلامية هو شأن إسلامى دون شك.
 ولا أبالغ إذا ما قلت أن عصفور وحفنة من دعاة التنوير قاموا بدور جبار  فى إتاحة الفرصة لشيوخ الفتنة فى السيطرة على العقول بادعاء أن الأزهر يقوم بدور محاكم التفتيش بينما يقوم الأزهر بالدور المنوط به كأكبر جهة إسلامية يستعين بها العالم كله، ولا شك أنه ليس من صالح هذا الوطن العبث والتهميش لدور الأزهر، أو اعتباره محكمة تفتيش للهيمنة على الانفلات  التنويرى للمبدعين وإنما  يجب اعتباره حائط صد فى مواجهة المد المتطرف الذى يستعدى المواطن على وسطية الأزهر، حيث يؤكد هذا المد جهارا نهارا أن الأزهر تم تسييسه ولا يتوقف عن محاولات سحب البساط منه لصالح شيوخ الفتنة والإسلام السياسى، هذا بالطبع لمن يريد أن يرى جانبى الصورة وليس اجتزائها فى حرية الإنفلات تحت ستار الإبداع، وتعيدنا مواقف عصفور الحالية إلى مواقف سابقة تبرز حقيقته كمسؤول تبنى موقف معادية لكل ماهو دينى فى وزارة فاروق حسنى الذى أقال  ذات يوم على أبو شادى من هيئة قصور الثقافة بعد أزمة  كبيرة عام 2000 ومظاهرات عارمة  بسبب رواية وليمة لأعشاب البحر ثم إصدار ثلاث روايات اعتبرها فاروق حسنى "لا أخلاقية"، ونربأ بأنفسنا عن ذكر ماورد ب"وليمة أعشاب البحر" من أوصاف "مقززة ومنحطة" للقرآن الكريم وللدين الإسلامى وللذات الإلهية،ورغم أننا أمام نص منخفض القيمة الإبداعية صنعنا من كاتبه بطلا، فقد جاء  تكريم دكتور جابر عصفور رئيس المركز القومى للترجمة  عام 2009 لهذا الكاتب باستضافته بالتعاون مع مكتبة الأسكندرية  جارحا وصادما لمشاعر كل من تابع أزمة هذه الرواية وكاتبها بل ومؤكدا أن الدكتور جابر قد تخلى تماما عن ضميره النقدى كأستاذ كبير كان لا ينبغى أن يكرم كاتبا إكتسب كل قيمته  وشهرته من مهاجمة الدين والأنبياء، على هذا النحو فضلا عن بذاءة ألفاظ هذا الكاتب فى التعامل مع فكر الآخر"وساعتبر أن الآخر هو معارضيه من المتدينين" أما عن جوائز الدولة التى كان لا ينبغى أبدا أن تمنح إلا على أساس القيمة الفكرية وحجم ماقدمه المبدع الذى يحصد تلك الجوائز فقد كانت الطامة الكبرى فى أن يمنحها دائما المجلس الأعلى للثقافة الذى هيمن الدكتور جابر عصفور على مقدراته لسنوات طويلة إما بمنطق التدجين الذى اعترف به فاروق حسنى واعتبره عصفور فى حواره التليفزيونى الأخير "زلة لسان"   وكذب صريح، أو لرفاق الطريق ممن يعادون الدين ليصبح عصفور وأمثاله جزء من معادلة غضب الشارع وتصنيف الثقافة بأنها مع كل مايعادى الدين الإسلامى بدلا من أن تلعب دورا تنويريا يساند وسطية الأزهر ويقضى على سطوة شيوخ الفتن الذين يستغلون مشاعر البسطاء ويحرضونهم على الدولة  لأنها من وجهة نظرهم هى دولة ضد الدين، وفى عصر عصفور المجيد تم منح الجائزة  لكل إسم جاذب لغضب الشارع  من أمثال سيد القمنى المزور لشهادة الدكتوراه والذى تم منحه جائزة الدولة التقديرية في علم الاجتماع وحصل علي مائتي ألف جنيه  من مال الشعب الذى لا يجد رغيف الخبز ويموت فى طوابيره  وكأنها مكافأة له علي  تاريخ حافل بسب الرسول - صلي الله عليه وسلم -واعتبار الإسلام مؤامرة هاشمية لانتزاع الملك من بني أمية وتأكيده أن ماحدث في بداية بزوغ الإسلام لم يكن وحيًا وإنما مجرد تحرك سياسي وطموح وصراعات علي السلطة وتنافس علي الزعامة بين القبائل!! أما عن المفكر حسن حنفى فنحن أمام مفكر نختلف معه ومع اعتراضنا الكامل على توصيفه بالمفكر الإسلامى إلا أن منحه الجائزة رغم كل التحفظات التى على مشروعه الفكرى يضع القضية برمتها فى نفس الخندق الذى نتحدث عنه وهو وجه الثقافة العكر الذى قاده عصفور ضد الدين والذى مهد للإخوان المسلمين وغيرهم وأثبت دائما أن المثقفين فى مصر هم نخبة من المعادين للدين وهو أمر مرفوض تماما ليس فقط عن وازع دينى وإنما أيضا لأنه ينافى أبسط انواع الذكاء الذى يجب أن تتحلى به الحكومات التى تحترم هوية شعوبها ولا تستفز الوازع الدينى بهذا الشكل الصارخ ليس عن "طبطبة" على الشعوب وإنما عن وعى وفهم لسيكولوجيتها واحترام لمقدساتها.
ولا يمكن أن ننسى أن المجلس الأعلى للثقافة  فى ظل قيادة عصفور قرر عام 2004 رصد إحدى جوائز الدولة التشجيعية في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية لأفضل بحث يقدم عن سيكولوجية (نفسية) الشواذ وكأن مصر قد خلت تماما من كل المشكلات الاجتماعية  وفقرها وبطالتها ليمنح مجلس ثقافتها
الأعلى الجائزة للباحثين  فى هذا المجال.
علاقة الدكتور جابر عصفور بالسلطة  معروفة وعلاقته بالسيدة سوزان مبارك معروفة أيضا وعضويته للمجلس القومى للمراة معروفة ودوره فى كتابة خطابات الهانم كلها أمور معروفة
،
ومايعنينا هو ماقدمه عصفور للثقافة  ولن نتحدث عن حصوله على جائزة من القذافى وإعلانه انه سيتنازل عنها وعدم تنازله عنها، فهى أمور قتلت كتابة، لكن مايعنينا ما أدت إليه تلك العلاقة  من بقائه على رأس المجلس الأعلى للثقافة لسنوات  طويلة ثم إنشاء المركز القومى للترجمة ليرأسه، وما أدت  إليه هذه العلاقة من تحصين لكل مايتخذه من قرارات او تصرفات مالية بل كان مايغدق به الرئيس مبارك على المركز القومى للترجمة بمناسبة معرض الكتاب لا يتبع ميزانية وزارة الثقافة متخطيا فاروق حسنى نفسه، وعصفور هو صاحب مقولة انه سيطبق برنامج الرئيس مبارك بترجمة 6000 آلاف كتاب  سنويا وهو رقم خرافى لا يمكن تصديقه او تصديق من يدعى انه سينفذه، أما عن المركز القومى للترجمة الذى أنشىء بقرار جمهورى "تفصيل" فلا يوجد له هيكل إدارى تنظيمى حيث كانت جميع الوظائف من اختراع جابر عصفور،كما كان عصفور بوابة الجوائز التى تمنح وتمنع ولا أحد ينسى قصة حصول الدكتورة رجاء ياقوت على جائزة التفوق أو حصول الدكتورة  زبيدة  محمدعطا العميدة السابقة لكلية الآداب جامعة حلوان، على جائزة بعد اختراع قسم فى كليتها لتعين فيه ابنة الدكتور عصفور رحمها الله، لقد كان عصفور ملكا متوجا وحاكما بأمره  فى وزارة الثقافة ترك ابنائه والموالين له فى كل أركانها ومازالت التساؤلات إلى الآن قائمة عن ضم إسمى سليمان العسكرى رئيس تحرير مجلة العربى التى يكتب فيها جابر بانتظام  ورشيد بن حدو التونسى  إلى مجلس أمناء المركز القومى للترجمة فى سابقة لم تحدث فى تاريخ المجالس القومية فى مصر ان يضم لها غير مصريين، ومن المعروف أن مجلس الأمناء هذا لم يجتمع  مرة  واحدة منذ إنشاء المركز إلا بعد قيام ثورة يناير  حيث قام الدكتور عماد ابو غازى  باستصدار قرار من المشير طنطاوى باعادة تشكيله.ولعلنى أقتطع من حوار للمترجم الكبير المحترم  طلعت الشايب مع المصرى اليوم فى يوليو 2011 هذا الجزء الذى قال فيه "جابر عصفور كان أقوى من فاروق حسنى وفاروق عبد السلام، وكان يحضر اجتماعات مجلس المرأة مع سوزان مبارك، ويكتب لها الخطابات التى تلقيها هناك، وأوحى لفاروق حسنى أنه على علاقة مباشرة بسوزان مبارك، وأقنعه بأن يجعل ياسر شبل وسيطا بين الوزير والمركز، حتى يتخطى فاروق عبد السلام، وأؤكد لك أنه كان للفساد هانم تحميه فى المركز"
نحن نتحدث هنا عن الدكتورجابر عصفور الذى رحب بالإسرائيلى "بارينبيوم" الذى جلبه فاروق حسنى ليقود اوركسترا القاهرة، والذى ينبغى ان نحاسبه الآن عن كل مليم انفق فى المركز القومى للترجمة دون مراجعة جهة رقابية، والذى يبلغ من العمر سبعين عاما ولا يكاد يستطيع المشى لظروفه الصحية ومازال متمسكا بالسلطة ومقاعد السطوة،، ويدعى أنه عاد للوزارة فى مهمة وطنية بينما هو نفسه ممن ساهموا  فى أزمة وزارة الثقافة التى جرفت من الكفاءات  وصارت عزبة  حقيقية ،وإلى الان ظلنت الوزراة أزمة كل رؤساء الوزراء الذين  كلما بحثوا لها عن وزير لم  يجدوا أمامهم من حل إلا أن يفتشوا فى الدفاتر القديمة..دفاتر العصر البائد التى مازالت رائحتها تزكم الأنوف


الخميس، 24 أبريل 2014

ماركيز.. عاش ليروي ويرفض ويسجل مواقفه مع الثائرين | نفيسة عبد الفتاح | بوابة الأسبوع

ماركيز.. عاش ليروي ويرفض ويسجل مواقفه مع الثائرين | نفيسة عبد الفتاح | بوابة الأسبوع

عشت لأروي.. تلك هي خلاصة حياةعريضة لصاحب مائةعام من العزلة، الحب في زمن الكوليرا، وقائع موت معلن، خريف  البطريرك، ولا أحد يكتب إلي الكولونيل، وهو في نفس الوقت عنوان السيرة الذاتية لكاتب كولومبيا العظيم الفائز بجائزة نوبل جابريل جارثيا ماركيز،الذي رحل عن عالمنا عن عمر يناهز 87 عاما، كان ماركيزعبقريا في قدرته علي الانطلاق من قلب الواقع إلي آفاق الخيال، كما قال: 'كانت حكاياتي في معظمها أحداثا بسيطة من الحياة اليومية أجعلها أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة كي يصغي إلي الكبار، وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لأنهم يظنون إنني لا أفهمها فيشفرونها عمدًا كي لا أفهمها لكن الأمر كان خلاف ذلك، كنت امتصها مثل إسفنجة ثم أفككها إلي أجزاء وأقلبها لكي أخفي الأصل، وعندما أرويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله وما يفكرون فيه.
عاش ماركيز ليصنع واقعية سحرية مليئة بالمتعة نابضة بالإنسانية لا يمكن اعتبار سحريتها تهويمات غارقة في الإلغاز ولا يمكن استبعاد تحقق الأساطير والنبوءات فيها، محققًا المعادلة الصعبة التي تتجاوزأساطير ألف ليلة وليلة إلي واقع لا يقل ادهاشا،أغلق المبدع الباب علي نفسه لعامين غيرعابئ بغارات الفقر وثقل الديون علي أسرته الصغيرة، لينضج عملا اختمر علي مدار ستة عشرعامًا صانعًا رائعته 'مائة عام من العزلة'التي حصد بها جائزة نوبل وأطلقت شهرته، فهناك عند النهرالصافي والصخورالمصقولة البيضاء في قرية 'ماكوندو'ذات البيوت التي لم تتجاوزالعشرين المبنية بالطوب النييء ابتدأ جارثيا كل شيء في روايته، حيث ينتهي كل شيء من حيث بدأ وحيث تتعاقب الأجيال لمصير محتوم يوافق الأسطورة، بين أروقة تنتظراختراعات وتسالي الغجر، وبين الحب والخطيئة والتمرد، والحرب والسياسة والموت والمطر والفشل والنجاح في القرية المنعزلة التي صنعها وكتب تاريخها خلال مائةعام، تركنا نصدق بالمعجزات التي يمكن أن تجعل فتاة ترتفع إلي السماء ونندهش لظواهر الفراشات وروائح الزهور وغرائب الطبيعة التي تقترن بأشخاص، لم يكن ماركيز أديبا فحسب بل كان رجل مواقف سياسية، اشتهرعنه قوله: 'من عجائب الدنيا حقا أن يحصل مثل مناحيم بيجن علي جائزة نوبل للسلام تكريما لسياسته الإجرامية، فقد أعطته الجائزة في البداية الغطاء اللازم لأن يذبح، وبسلام وأمان، أكثر من 2000 لاجئا فلسطينيا في المخيمات داخل بيروت عام 1982م' ولذلك لم يكن من الغريب مصادقة ماركيز لرموز الحركات الثورية والمقاومة مثل فيدل كاسترو، والزعيم الفلسطيني الراحل ياسرعرفات، كما تسببت وجهة نظره تجاه الإمبريالية الأمريكية في رفض دخوله إلي الولايات المتحدة حتي تم رفع الحظرعنه بعد انتخاب بيل كلينتون رئيسًا للولايات المتحدة، وأدرك جارثيا أن السياسة الدولية مزدوجة المعايير وهو ما أشار إليه بقوله أصابت الأزمة البولندية أوربا بصدمة جعلتها تترنح من الغضب. وقمت شخصيا بالتوقيع علي عدد كبيرمن البيانات التي تندد باغتيال الحرية في بولندا، وشاركت في الاحتفالية التي أقيمت تكريم البطولة الشعب البولندي بمسرح 'بير ادي بار' تحت رعاية وزارة الثقافة الفرنسية. وعلي العكس من ذلك تمامًا ساد نوع من الصمت الرهيب عندما اجتاحت القوات الشارونية لبنان. علمًا بأن أعداد القتلي أوالمشردين هناك        لا تسمح بأي مقارنة مع ماحدث في بولندا' ويضيف 'جارثيا': لاأحد عاني في الحقيقة كالشعب الفلسطيني.. فإلي متي نظل بلا ألسنة؟إنني لم أجد من يومها من يدعوني إلي احتفال ببطولة الشعب الفلسطيني في أي مسرح تحت رعاية أية وزارة ' وأكمل: 'هذا ما يدفعني الآن إلي التوقيع علي 'ذلك البيان'بشكل منفرد، وأن أعلن عن اشمئزازي من المجازر التي ترتكبها يوميا المدرسة الصهيونية الحديثة. إنني أطالب بترشيح أرييل شارون لجائزة نوبل في القتل. سامحوني إذا قلت أيضا إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل'.
لقد أحب العرب ماركيز حقًا علي الرغم مما تعرضت له أعماله من تشويه ببعض الترجمات الرديئة المنتشرة علي الأرصفة، وهو ظلم للقارئ والكاتب, صنعه غلاء فاحش للروايات جيدة الترجمة، وعلي الرغم من ذلك فقد ظل ماركيزأسطورة حية في ضمير محبيه وقرائه في العالم العربي وفي شتي بقاع الأرض ليس فقط لأنه كاتب مبدع بل أيضًا لأنه حالة متكاملة من الإبداع والمواقف النبيلة.. حالة تصلح تمامًا لأن تكون رمزًا إنسانيًا عالميًا.

الأحد، 6 أبريل 2014

ختم المسك
شعر:نفيسة عبد الفتاح
لما انشق النور ألوان
فى القوس على حرف الشلال
والجنة يادوبك ع الحد.. ‏
واما ضفاير المية الصافية
اتلضمت بالنور على المجرى
وانبدرت من حضن السد
فتح خد صبية بوردة
على العود الملفوف عينى باردة
والشجر اتلون بالسعد
نوار قطنى النبى حارس
والخيل رماحة بفوارس
وضروع فى حليبها..قول شهد
واما انحبس الطمى أبو خير
المتعافى لعز الأرض
شربه النيل فى عروقه وشد
عشق فى الأرض الشرقانة
ماهانتش الزرعة الدبلانة
ولا هان الاسمر يحنى القد
منه القلب ابو شوق لحبيبه
بيوفى عهوده ويبسط إيده
ووقت الشدة يسد بجد ‏
منه أغانى الناى ع الساقية
وضفيرة البنت العكروتة
والحدوتة
 والسهراية لما تمد
منه عقود الفل فى صدرى
وسكر تمرى وحنة كفى
والبلطي بيلعب فى الطرد
منه..طبع الطيب،دمعه قريب
آه لو يرضى وآه لو يغضب
وحكم كبيره مالهوش رد ‏
منه الفرعون المتكابر
والسحرة تسجد وتآمن
وقمح عزيزه ماجوع حد
 لما انشق النور ألوان
فى القوس على حرف الشلال
والجنة يادوبك ع الحد
كانت..حد حدوده
وآجمل بدرة رمتها كفوفه
 وختم المسك
كانت مصر..أكيد..ولابد

الجمعة، 24 يناير 2014

عفوا سيدى المحقق ..غيبوبة وطن أم شعب؟! "دراسة أدبية فى نص روائى"

عفوا سيدى المحقق ..غيبوبة وطن أم شعب؟!


كتبت – نفيسة عبد الفتاح

يدخلنا الروائى محمود قنديل عبر روايته "عفوا سيدى المحقق" إلى ماأراه دوما مغامرة روائية محفوفة بالمخاطر،فقليلون من يستطيعون الإفلات من مزالق رواية"الصوت الواحد" التى غالبا ما تحتاج إلى مهارة الراوى فى ضبط إيقاع النص وتحقيق أهدافه فى تطوير الحدث وكشف مكنون الشخصيات دون رتابة أو ملل من خلال بطل يتكلم بضمير الأنا من البداية إلى النهاية ،بينما تمثل الشخصيات الأخرى بضمير الغائب،أو بضمير المخاطب"أنت" للحاضر دون صوت المتمثل فى شخصية المحقق، ويمكن القول بأن اختيار قنديل للعنوان"عفوا سيدى المحقق" هو اختيار لعنوان حمال أوجه،حيث لا تجزم الرواية بمصير الراوى الذى من المحتمل أنه أدين فى النهاية،فتكون عفوا هنا بمعنى "صفحا" سيدى المحقق أى طلب الإعفاء من الجرم"البراءة"،أو طلب معروف وفضل المحقق فى استبصار الحقيقة،كما يمكن أن يحمل القارىء العنوان على النحو الدارج فى استخدام اللفظ من أنه اسلوب تأدب فى الحوار يدل على شخصية البطل الذى يتعرض للتحقيق معه طوال الرواية.
نحن أمام نص تتعدد مستويات قراءته،فمن خلال تلك القصة الإنسانية البسيطة التى تتوازى مع قصة حب يعيشها البطل يمكن للقارىء ان يفتح منظور رؤيته لتصبح المريضة الغائبة عن الوعى هى نفسها الحبيبة "خلود" التى تمثل المعنى النهائى والصورة الكاملة "لحالة "الوطن الخالد الذى نظن أننا نحفظه جيدا فى قلوبنا بينما نحن اغتربنا عنه أو ربما ما اعتراه من أمراض هو ما جعل صورته ملتبسة إلى حد أننا نستدعيه من الذاكرة دوما ونتعذب بافتقاده دون أن نتمكن من رؤية حقيقة أنه بين أيدينا نحاول مداواته دون الوصول إلى سر مرضه وهو مانراه واضحا فى تلك الفقرة من الرواية"سيدى،ترى هل ستأتى خلود؟،هل ستعود،قل لى لماذا لم تعد؟لماذا؟لماذا؟لماذا؟
صدقنى إن قلت لك أنى مازلت أنتظرها فكلما نظرت إلى الفتاة وجدت"خلود"وجهها كوجه خلود،عيناها،أنفها،فمها،كأنها خلود..خلوود،خلووود.." حيث تصبح صحوات مريضة الغيبوبة التى تكلمت فى كل واحدة منها بلسان إحدى الشخصيات "إيزيس ــ آسيا ــ خلود" هى جزء لا يتجزأ من إعادة اكتشاف هوية الوطن باستحضار التاريخ والجذور البعيدة التى سطرت منذ الأساطير الأولى لإيزيس رمز الأمومة الخالدة والحب الجارف والوفاء الفريد،ثم آسيا زوجة فرعون رمز هذا التزواج الإجبارى بين الوطن الجميل الطيب الصالح وهؤلاء الحكام الظلمة"الفرعون" الذين لا ينصتون لإرادة شعوبهم ويغرهم السلطان وأسباب القوة.
رسم المؤلف شخصياته بعناية وترك للقارىء استنباط الأحكام عليها، فالشخصية المحورية فى النص هى شخصية الطبيب الذى يبدو مثاليا إلى حد بعيد، يرشدنا حواره مع المحقق إلى مفاتيح شخصيته وتاريخه،بداية من نشأته الدينية ومايتحلى به من ثقافة وعلم وذكاء بما اتاح له القدرة على البحث وتخليق أدوية غير متعارف عليها،كما تبدو شخصيته متكاملة"للوهلة الأولى" بهذه الإنسانية المفرطة التى دعته إلى إنشاء غرفة مجهزة بأحدث الألات الطبية لخدمة أهل منطقته والتى باع لأجل تجهيزها فدانا من الأرض من ميراثه عن والده،إلا ان القارىء لا يلبث أن يكتشف نوعا من السذاجة وحب العزلة وعدم القدرة على المواجهة، بينما نكتشف أن خلود الحبيبة التى سافرت مع والدها أثناء علاجه لكنها لم تعد،هى الشخصية الأقرب للكمال بكل ما تحمله من ثورة على الظلم وقدرة على مواجهته ورغبة فى التضحية والعطاء،ونكتشف أنها الأكثر احتمالا وتفاعلا مع هموم البشر وهو مايصفها به الطبيب"خلود كانت تحمل هموم الناس وهمى" حتى ان تجربة السجن لم تزدها إلا صلابة ،فهى الأكثر تفاؤلا بالمستقبل،واليقين بضرورة الحلم،وربما تكون الجملة المفتاح لهذه الرواية هى الجملة التى جاءت على لسان البطل فى سرده لحوار تم بينه وبين حبيبته خلود"ثم كلمتنى كثيرا عن آخر قراءاتها وعن استنباطاتها وعن هوية غائبة وجذور متخلخلة،كانت كلماتها تحمل بشائر مفتقدة وتتنبأ بروح ـ جديدة ـ قادمة"،كما تمثل خلود الشخصية المصرية المتدينة بطبعها "خلود كانت تتبع الأسباب وإذا استعصت دعت المسبب"ليبقى السؤال معلقا من الذى أفسد كل ذلك ولم يشأ لتلك البشائر أن تكتمل ولتلك الروح أن تحيا؟من الذى أدخل الحبيبة "الوطن"فى تلك الغيبوبة، أو بمعنى أدق:لم يشأ لتلك الثورة ان تكتمل! ..
لقد مثلت نوبات الإفاقة الثلاثة التى مرت بها المريضة صحوات "أو موجات ثورية"لوطن لم يفق بعد من غيبوبته ولم يصل محبوه إلى النور المتمثل فى كرة النور التى رأت مريضة الغيبوبة الطبيب فى منامها يجرى خلفها فإذا بها كرة من نار تحرق يديه..وكأن الرواية تؤكد لنا أن مارأيناه خلاصا ماهو إلا فخ أوخداع بصر يحيد بنا عن الهدف الجميل الذى تحدده خلود فى حوارها مع البطل"المطلوب منا فقط أن نبحث عن قوة النور،لنهزم عتمة الظلام"،ولا تدع الرواية القارىء دون أن تبثه الأمل وهو ماتؤكده مقولة الطبيب"لا يوجد عندى أدنى شك فى عودة الفتاة إلى وعيها،المسألة محتاجة صبر،مجرد صبر"ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا".
لا يخرج مكان الرواية عن غرفة التحقيق بالنيابة فى زمن امتد لساعات هى مدة هذا التحقيق،بينما الشخوص التى تحيط بالطبيب هى شخوص العالم الحقيقى بما فيه من خير وشر وعلم وجهل يصدق بالخرافة وزيف وأصالة، وقد استخدم الروائى تقنية استرجاع الأحداث على خطين متوازيين أحدهما للمريضة التى اتهم الطبيب باختطافها بينما كان يريد مداواتها بعيد عن الإمكانات القاصرة للمستشفى الذى يعمل به، والآخر للحبيبة "خلود"،والنص من النوع الذى يحتشد بالقيم الأخلاقية الرفيعة دون تزيد نظرا لطبيعة شخوصه،وهو ماجعل الاستشهاد بالآيات القرآنية وآبيات الشعر أمرا مناسبا لشخصية الطبيب،تماما كما خلق تكراره لعبارات الثناء على المحقق وثقته بنزاهته حالة من تشكك القارىء فيما يمكن ان تؤدى إليه تلك الثقة غير المحدودة فى نزاهة من يمثل السلطة ويجيد التعامل مع كل شخصية بما يناسبها للوصول إلى كل مايريد، كما خلقت احساسا بسذاجة الطبيب الذى ربما كانت لديه خبرات علمية لكنه يفتقر إلى الخبرات الحياتية
والسرد فى مجمله غير مترهل ولا يمكن اعتبار أن إفراط الطبيب "بعض الشىء"فى استعادة بعض الذكريات الدالة على نشأته الدينية وعلى تحليه بالخلق الرفيع ،هو محاولة منه لاستمالة المحقق لأنه أمر لا يتفق مع شخصية الطبيب التى تميل إلى النقاء والصدق،وقد يرى البعض أن هذا الإفراط يدخل فى حدود المسموح الذى تتيحه شخصية الطبيب قليل الخبرة بالحياة الذى يدافع عن مبادئه فى موقف ملتبس يخضع فيه للتحقيق لأول مرة فى حياته مع اكتشافه للوجوه الحقيقية للمحيطين به بخيانة زميل العمل الذى أحسن إليه، والاتهامات التى طالت أخلاقه عن مبررات نقله للفتاة إلى بيته، مع ضرورة الإشارة إلى وقوف الأغلبية إلى جواره وتعاطفهم معه، إلا أننا نرى أن شيئا من الاقتصاد فى استرجاع تلك الذكريات ربما كان أفضل لسخونة الإيقاع. بينما تتسم لغة الكاتب بالبساطة والجمال بما يتلاءم مع طبيعة النص وتتميز المعلومات الطبية بالدقة،وكجزء لايتجزأ من النص يمكننا أن ننظر إلى الإهداء الذى كتبه المؤلف "إلى المهاجرين إلى غيبوبة لا تزول" فهو إهداء لايشير فقط إلى التعاطف الإنسانى لكنه يحمل قدرا من الأسى والحزن هو بالتأكيد لا يشير فقط إلى البشر الذين غيبتهم قوى أو أسباب لا نعرفها وإنما يشير أيضا كما فهمنا من النص الروائى إلى شعوب بأكملها وربما إلى اوطان تغيبها قوى أو أسباب مازلنا عاجزين عن التغلب عليها أو ربما عاجزين أيضا عن فهمها.